فوزي آل سيف

119

من قصة الديانات والرسل

والمعنى الحقيقي للوراثة، والأصل فيها؛ وراثةُ المتاع المادي وليس المنصب أو المكانة فضلاً عن النبوة. وتخصيصُ وراثةٍ بالنسبة للأنبياء تحتاج إلى مخصِّصٍ وقرينة؛ وهذا ما احتجتْ به الزهراء عليها السلام في الخطبة الفدكية عندما قالت: "ما كان أبي عن كتاب الله صادفًا ولا لأحكامه مخالفًا. أعلى عمدٍ تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم إذ يقول: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أولادكم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ) وقال فيما اقتص من خبر يحيى بن زكريا: (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) وقال: (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ).[332] ثمّ في الأساس؛ هل ورّثَ الأنبياءُ النبوةَ لأبنائهم؟! تاريخ الأنبياء يوضِح خلاف ذلك؛ إذ: - لم تستمرّ النبوة في عقبِ يعقوبَ النبي في امتداد ابنه النبي يوسف بالضرورة ومنحصرًا؛[333] وإنما كان الأنبياء أيضًا من صلب ابنه غير النبي (لاوي)؛ و(ويهوذا) وهذا يدل على أنّ النبوة لا تنتقل بالوراثة؛ إنما هي بأمر الله سبحانه وتعالى واصطفائه. - في قضية موسى وهارون؛ الصفات المتوفرة في هارون من كبر السّن وفصاحة اللسان؛ تؤهله ـ بالنظر العادي ـ أنْ يكون هو النبي؛ لكن الجعل الإلهي والاصطفاء كان باتجاه موسى عليه السلام. وفيما بعد بدل أن يكون الأوصياء من ذرية موسى النبي كانوا من آل هارون. - طلبُ زكريا عليه السلام الولدَ الصالحَ من الله تعالى ليأخذَ من بعده متاعه وأشياءه؛ كي لا تتبعثر بين الموالي وقرابته وبني عمومته السيئين. ولا معنى من أنْ يطلب زكريا من ربه أنْ يكون الولدُ صالحاً؛ طالما هو بحسب كلامهم نبيٌّ فصفةُ الصلاح متحققةٌ فيه في الأصل. من صفات النبي يحيى عليه السلام 1.هو أول من أُطلق عليه اسمُ (يحيى): يقول الله تعالى: (بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا)[334]لم يكن قد سُميَ أحدٌ قبله باسم (يحيى). 2. كان سيدًا شجاعًا جسورًا، قال تعالى: (وسَيِّدًا) كان سيدًا، أي صاحب شخصية ليس بذليل النفس، وكان شجاعًا لذلك واجه طاغية زمانه الذي قيل بأنّ اسمه (هيرودس)[335]وأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر الذي كان فيه من ارادته الزواج بابنة أخيه وهو محرم عندهم لما كانوا عليه من الالتزام العام بالشرائع اليهودية وهي تحرم بنات الأخ. 3. كان حصورًا، والمعنى أنّه ليس له رغبةٌ في النساء؛ كما يرى أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) من تنزيه الأنبياء من أيّ نقصٍ في النواحي العقلية والبدنية وخلافها؛ لا أنه (عنينًا) – كما يذهب بعض مفسري مدرسة الخلفاء لمفردة حصورا - إذ تستلزم (العنّةُ) وجودَ نقصٍ فيه. رغبته كانت منصرفة عن النساء إلى ما هو أعظم عنده. ولعلّ الظروف التي عاشها نبي الله يحيى والمصير الذي انتهى إليه كان من الأنسب له أنْ يكون دون ارتباطٍ بزوجةٍ وعُلقةٍ بأولاد.

--> 332 ابن طيفور، أحمد بن أبي طاهر: بلاغات النساء 21 333 وأما على الرأي المعروف والذي لم نقبله فيما سبق فإن يوسف قد رفعت النبوة من ذريته! 334 مريم: 7 335 كان الحاكمون على أورشليم (القدس) وما حولها من مناطق فلسطين من اليهود ولكنهم يعينون من الرومان الذين كانوا مسيطرين على المنطقة عسكريا وسياسيا.